السيد محمد الصدر

390

تاريخ الغيبة الصغرى

النقطة الثالثة : قوله ( ع ) - في تلك الرواية - : وقد علم اللّه تعالى أن أولياءه لا يرتابون . ولو علم أنهم يرتابون لما غيب عنهم حجته طرفة عين . وهو تعبير ورد في عدة روايات « 1 » . نفهم من ذلك : أن الارتياب والشك بوجود المهدي ( ع ) أثناء غيبته ناشئ في واقعه من الانحراف والفساد الموجود في هذا العصر ، وأما لو خلي الفكر الانساني المستقيم ونفسه لما رقى إليه الشك . ونحن وإن كنا قلنا أن طول الغيبة سبب للشك بحسب طبيعة البشر لكونها من الأمور غير المعهودة في ربوعهم . إلا أن الشخص الذي يربط الأمور بمصدرها الحقيقي الأول ، تبارك وتعالى ، ويعرف قدرته الواسعة وحكمته اللانهائية ، لا يستبعد عليه التصدي لحفظ شخص معين أمدا طويلا ، لأجل تنفيذ العدل في اليوم الموعود . بل يرى أن ذلك لازم ومتعين بعد قيام البرهان على وجود الغرض الأصلي من الخليقة ، وعلى حقيقته . وانحصار تحقق هذا الغرض بهذا الأسلوب . بحيث لو لم تكن هناك أي رواية تدلنا على وجود المهدي ، لكان اللازم على الفكر الانساني أن يعترف به . وإنما الذي يمنع من ذلك ، ويزرع في طريقه المصاعب والمتاعب ، هو الانحراف الفكري ، وخاصة إذا وجد لدى بعض القواعد الشعبية الذين بني مذهبهم على الاعتزاز بوجوده والتسليم بإمامته . ومن هنا نرى أن أولياء اللّه الممحصين الذين ليس للفتن طريق إلى قلوبهم ولا للضغط والظلم طريق إلى قوة إرادتهم . . . لا يرقى إليهم الشك في المهدي ( ع ) . لأن العوامل النفسية والموانع المنحرفة لذلك غير موجودة لديهم . فيبقون على الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ، من الايمان بقدرته وحكمته ، فيسلمون بنتيجة الدليل القطعي الدال على وجود المهدي . ومن هذا المنطلق نعرف ، أنه لو لم يكن الفكر الانساني مدركا لذلك ، بحيث أمكن سراية الشك إلى أولياء اللّه تعالى . . . لما غيب اللّه عنهم حجته طرفة عين .

--> ( 1 ) أنظر إكمال الدين المخطوط وغيبة النعماني ، ص 83 - 84 .